أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
505
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أنه متعلّق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكن في « أَسَّسَ » ، أي : قاصدا ببنيانه التقوى ، كذا قدره أبو البقاء . وقرأ عيسى بن عمر « تقوى » منونة . وحكى هذه القراءة سيبويه ، ولم يرتضها الناس ، لأن ألفها للتأنيث ، فلا وجه لتنوينها . وقد خرجها الناس على أن تكون ألفها للإلحاق . قال ابن جني : « قياسها أن تكون ألفها ، ك « أرطى » . قوله : « خَيْرٌ » خبر المبتدأ . والتفضيل هنا باعتبار معتقدهم . و « أَمْ » متصلة ، و « مِنَ » الثانية عطف على « مِنَ » الأولى . و « أَسَّسَ بُنْيانَهُ » كالأولى . قوله : « عَلى شَفا جُرُفٍ » كقوله : عَلى تَقْوى » في وجهيه . و « الشّفا » تقدم في آل عمران . وقرأ حمزة ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم « جرف » بسكون الراء . والباقون بضمها . فقيل : لغتان . وقيل : الساكن فرع على المضموم ، نحو : « عنق » في « عنق » ، و « طنب » في « طنب » . وقيل : بالعكس ك « عسر ويسر » . و « الجرف » : « البئر التي لم تطو . وقيل : هو الهوّة ، وما يجرفه السيل من الأودية ، قاله أبو عبيدة . وقيل : هو المكان الذي يأكله الماء فيجرفه ، أي : يذهب به . ورجل جراف ، أي : كثير النكاح ، كأنه يجرف في ذلك العمل ، قاله الراغب . قوله : « هارٍ » نعت ل « جُرُفٍ » ، وفيه ثلاثة أقوال : أحدها - وهو المشهور - : أنه مقلوب بتقديم لامه على عينه ، وذلك أن أصله « هاور » ، أو « هاير » بالواو والياء ، لأنه سمع فيه الحرفان ، قالوا : هار يهور ويهار ، وهار يهير ، وتهوّر البناء ، وتهيّر ، فقدمت اللام ، وهي « الراء » على العين ، وهي « الواو » أو « الياء » فصار ك « غاز » « ورام » ، فأعلّ بالنقص ، كإعلالهما ، فوزنه بعد القلب : « فالع » ، ثم تزنه بعد الحذف ب « فال » . الثاني : أنه حذفت عينه اعتباطا ، أي : لغير موجب ، وعلى هذا فيجري بوجوه الإعراب على لامه ، فيقال : هذا هار ، ورأيت هارا ، ومررت بهار ، ووزنه أيضا « فال » . والثالث : أنه لا قلب فيه ولا حذف ، وأن أصله « هور ، أو هير » بزنة « كتف » ، فتحرك حرف العلة ، وانفتح ما قبله ، فقلب ألفا ، فصار مثل قولهم : كبش صاف ، أي : صوف ، ويوم راح ، أي : روح . وعلى هذا فيجري بوجوه الإعراب أيضا كالذي قبله ، كما تقول : هذا باب ، ورأيت بابا ، ومررت بباب . وهذا أعدل الوجوه ، لإستراحته من ادعاء القلب ، والحذف اللذين هما على خلاف الأصل ، لولا أنه غير مشهور عند أهل التصريف . ومعنى : « هارٍ » أي : ساقط متداع منهال . قوله : فَانْهارَ فاعله إمّا ضمير « البنيان » ، والهاء في « بِهِ » على هذا ضمير المؤسّس الباني ، أي : فسقط بنيان الباني على شفا جرف هار ، وإمّا ضمير « الشّفا » ، وإمّا ضمير « الجرف » ، أي : فسقط الشّفا ، أو سقط الجرف ، والهاء في « بِهِ » للبنيان ، ويجوز أن يكون للباني المؤسّس . والأولى أن يكون الفاعل ضمير « الجرف » ، لأنه يلزم في انهياره انهيار الشّفا والبنيان جميعا ، ولا يلزم من انهيارهما ، أو انهيار أحدهما انهياره . والباء في « بِهِ » يجوز أن تكون المعدية ، وأن تكون التي للمصاحبة ، وقد تقدم لك خلاف أول هذا الموضوع أن المعدية عند بعضهم تستلزم المصاحبة . وإذا قيل : إنّها للمصاحبة هنا فتتعلق بمحذوف ، لأنها حال ، أي : فانهار مصاحبا له . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 110 إلى 111 ] لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 110 ) إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 111 )